أولى الألباب
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 قصة " السفر" من المجموعة القصصية "ليت قومي يعلمون" للكاتب محمد يونس هاشم

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
admin1

avatar

المساهمات : 88
تاريخ التسجيل : 12/12/2009

مُساهمةموضوع: قصة " السفر" من المجموعة القصصية "ليت قومي يعلمون" للكاتب محمد يونس هاشم   الأربعاء يناير 27, 2010 2:16 pm





الســـــفر

( القاهرة كما هي المدينة الجميلة ، كل شيء فيها جميل حتى الزحام والضوضاء .. الحارة ضاقت كثيراً ، وكثرت بها أكوام القمامة .. وأقيمت فيها عمارتان غيرتا من معالمها المحفورة في ذاكرتي .. بيتنا يبدو أحقر مما تركته .
لا أدري كيف سأعيش هنا إلى أن أشتري شقة تتناسب مع .. ؟ )
كان الجيران يطلون من شرفاتهم الصغيرة ويتهامسون .
( يجب ألا أهتم بمثل هؤلاء إن مركزي اليوم لا يتناسب مع الحديث مع هؤلاء إنهم يذكروني بحياتي قبل السفر )
شمخ بأنفه ومشى في خيلاء .
( ما هذه السلالم المتآكلة ، وهذه الرائحة الكريهة ؟ )
تعثر في إحدى درجات السلم كاد يسقط لكنه أمسك بسور السلم، أخرج منديله الأبيض الحريري ليمسح يده مما علق بها من أوساخ .
( كيف يسكت الناس على هذه الأوساخ ؟! وكيف كنت أسكن هنا ؟! ) بحث عن زر الجرس لم يجده ، تذكر ، طرق الباب القديم ثلاث طرقات خفيفة ، خرجت امرأة عجوز متشحة برداء أسود ، حدقت فيه لحظة .. ألجمتها المفاجأة .
- أمي
- من ؟ جمال .. جمال ابني .
أحضان .. قبلات .. دموع .. زغاريد ..
(منذ خمس سنوات لم يفرح هذه الفرحة .. منذ خمس سنوات لم يحس بهذا الدفء .. كانت الحياة هناك باردة جافة.)
عندما رأى أمه عاد طفلاً بين يديها سالت دموعه المتحجرة في العيون ، وتدفقت دماؤه المتجمدة في العروق .
بدأ يحدق في الحجرة ، وما فيها من أثاث .. الأَسرَّة القديمة .. الأردية بالية .. الطلاء المتآكل ..
( البيت لم يتغير فقط أشعر أنه ضاق بعض الشيء .. تحت هذا السقف الخشبي عشت عمري الحجري ، وعلى هذا السرير الخشن عشت أحلم بالحياة الناعمة ، وعلى هذا الكرسي ذي الأرجل الثلاثة كنت أذاكر .. أفكر .. أتخيل .. كانت أياماً جميلة رغم قسوتها . )
- الحمام جاهز .. هيا لتستحم .
في الحمام الضيق اغتسل من غبار السفر .. تطهر من أفكار نمت في الغربة .. تمنى أن يرى كل الأصدقاء .. يعانقهم .. يحادثهم .. يمازحهم .
ارتدى ملابسه الأنيقة بسرعة وخرج على الفور .. أخذ يعد درجات السلم .
( أربعة وخمسون درجة تماماً كما كانت .. في هذا الفناء كنت ألعب مع عادل وسميرة .. في هذه الحارة لعبت الكرة مع أولاد الحارة .. كنت ماهراً في لعب الكرة . )
- ماهر موجود ؟
- غير موجود .. من أنت ؟
- سأعود إليه مرة ثانية .
( كم كنت أتمنى أن أراه لقد أوحشني كثيراً .. ترى إلام صارت حاله ؟ .. هل وجد عملاً ؟ .. هل مازال يذكرني ؟ .. لقد أرسل لي خطابين فور سفري ، وبعد ذلك .. أمه لم تعرفني يبدو أني تغيرت كثيراً .. البدلة الأنيقة ، والشارب ، والنظارة .. ليس أمامي سوى أحمد ليتني أجده .. أريد أن أتحدث إلى أحد )
- أحمد غير موجود .
أخذ يسير .. يحدق في الوجوه عله يرى صديقاً قديماً أو إنساناً يعرفه .
( لا أحد يعرفني .. لا أعرف أحداً .. أشعر أني غريب .. غريب في وطني .. في الكويت كنت غريباً أيضا .. شتان بين الغربتين .. كل الوجوه جديدة .. صديقان أو زميلان عائدان من المدرسة يتحدثان ويضحكان .. فتى فتاة يتهامسان .. بعض الناس ينتظرون الأتوبيس .. رجل يسير بسرعة .. كل واحد يعرف إلى أين هو ذاهب )
وجد مكتبة لبيع الكتب تأملها .
( أسعار الكتب ارتفعت جداً .. منذ خمس سنوات فقط كان أغلى كتاب لا يزيد عن عشرة جنيهات .. الآن أرخص كتاب لا يقل عن ثمانية جنيهات .. منذ خمس سنوات لم أقرأ سوى الجرائد .. كانت الكتب كل حياتي والشيء الذي كان يزعجني حقاً هو ارتفاع أثمانها .. كنت أستعير الكتب من المكتبات والأصدقاء .. أقرأ .. وأنقل .. أناقش .. لم تعد الأموال هي المشكلة الآن لكني فقدت الرغبة في القراءة . )
بعد تردد كبير اشترى كتاباً .. ديوان شعر لشاعر رومانسي .. الوقت يمر ببطء .. رفع يده ليعرف الوقت ؛ لم يجد الساعة .
( لا بد أني نسيتها في البيت .. الساعة الآن تقريباً الخامسة .. لا .. لا .. لقد خرجت من البيت في الرابعة وهي الآن لا تزيد عن الرابعة والنصف .. الوقت يمر ببطء شديد . )
وجد نفسه في شارع الجامعة .
( الجامعة .. أيام الدراسة الجميلة .. المحاضرات .. المناقشات .. الأبحاث .. الزملاء .. الزميلات .. كان الوقت لا يكفي الأعمال . )
شاهد بعض طلاب الجامعة .
( ليتني أعود واحداً مثل هؤلاء .. أجلس في قاعات المحاضرات نستمع ونستمتع ، وبعد المحاضرة نتناقش .. نضحك .. نغني .. الجامعة هي حلمي المتجدد .. مرت أيامها بسرعة عجيبة .. فور تخرجي أرسل لي زوج أختي عقد عمل مغرٍ في الكويت .. رفضت السفر ؛ إن حياتي هنا في الجامعة .. هنا أساتذتي وأصدقائي .. أجمع الكل على أن سفري فرصة لن تعوض ، وحلم يحلم به كل شاب " سافر لعام واحد وجرِّب " وسافرت .. الوقت لا يمر .. الحياة تسير وأنا الوحيد المتوقف .)
وقف على محطة أتوبيس الجامعة .
( على هذه المحطة كنت أقف مثل هؤلاء .. كنا نضحك في الجامعة ، ونتزاحم على الأتوبيس خارجها .. كنا سعداء .. كل الطلاب يعرف بعضهم البعض ، أنا الوحيد الغريب بينهم ، الكل يبتسم ويضحك .. الأمل والحيوية والنشاط أشياء تفرقهم عني )
أخرج ديوان الشعر من لفافته وأمسك به كما يمسك الطلاب بكتبهم .
( أحس أني كهل مع أني لا أكبرهم سوى بخمس سنوات فقط ، وربما فيهم من هو في مثل سني )
الأتوبيسات تأتي مزدحمة .. يهرول الطلاب نحوها يركب من يركب وينتظر الباقي .
(أنا أستطيع أن أشترى سيارة ومع ذلك اشتقت لركوب الأتوبيس. )
أحس أنهم تنبهوا لوجوده ترك المحطة ومشى .. حديقة الحيوان أغلقت أبوابها .. لا يسمع بها إلا صوت العصافير .. على كبري الجامعة رأى رجلاً وزوجته .. كانت الزوجة تداعب زوجها مداعبات رقيقة .
( ليتني أحببت .. ليتني ما فرضت على نفسي العزلة العاطفية على الأقل لما كنت في هذا الوضع المتجمد الذي أنا فيه الآن .. فتاة أحبها وتحبني .. نتخاصم .. نتصالح .. نبكي .. نضحك .. نثور .. نهدأ .. نعيش الحياة الطبيعية .. أما الآن أنا أستطيع أن أتزوج بمن شئت .. لكني لا أريد أن أتزوج بسطوة مالي ، إنما أريد أن أتزوج بفتاة أحبها وتحبني .. أحارب في سبيلها .. أهزم .. أقاوم .. حتى أفوز بها في النهاية .. أفوز بالأميرة بعد كفاح طويل هكذا أتمنى أن أتزوج .. أميرة أتزوجها بكفاحي الطويل لا جارية أشتريها بمالي الوفير .. أعرف أنه رأي غريب لو سمعه شاب في مثل سني بدون سنوات السفر لقال المثل المشهور . )
أحسَّ أن حافظة نقوده تضغط على قلبه فتعوق دقاته .. تحسسها .. همَّ أن يخرجها ويلقي بها في النهر .. سيطر عليه هذا الإحساس حتى يعود كما كان طالباً جامعيّاً مثل كل الطلاب الذين رآهم أمام الجامعة .. تراجع عن هذه الفكرة المجنونة عندما تذكر سنوات الغربة والسفر الطويل .
بدأ الليل يزحف بطيئاً .. الأضواء بدت باهتة خافتة .. الساعة الكسول تتثاءب ، رأي فَرَحاً صاخباً على ضفة النيل الخالد .
( عندما أتزوج سأقيم فَرَحاً كبيرا مثل هذا .. فرحاً يليق بي . من حق من يملكون المال الاستمتاع بأموالهم .. لماذا كنت أغضب عندما كنت أرى مثل هذه الاحتفالات ؟! )
فتى وفتاة يجلسان جلسة رومانسية ، راقبهما خلسة ، أرهف السمع ، عندما أحسا به سكتا .. سحب نفسه بعيداً عنهما في خجل شديد .. صرف نظره إلى صفحة النهر عشقه القديم .
( النهر هادئ حزين لم يكن هكذا ، لقد كان شاباً ثائراً .. هل شاخ النهر ؟ .. أين أمواجه المتلاطمة ؟! .. أين صوته العذب الجميل عندما يصطدم بأحجار الشاطئ .. لم يعد في الشاطئ أحجار إنما صارت سفناًً .. الملاهي والعوامات جثمت على صدر النهر فكتمت أنفاسه . )
كبري عباس مزدحم بالعذارى وفرسان الحب .
( منظرهم جميل .. كيف تمنيت يوماً أن يهوي الكبري بهم بدلاً ممن هوى بهم عام 1946 ؟! )
جزيرة الروضة .
( لقد كثرت بها المَحال وقلَّ المشترون .. سوبر ماركت .. شركة سياحة .. مطاعم أجنبية .. )
وسط هذه المحال الفخمة وجد مطعماً شعبيّاً وعاملاً يصنع "طعمية "
( طعمية .. طعمية .. كانت طعامي المفضل .. أنَّى لي بقرص منها الآن .. ترى كم تكون الساعة الآن ؟ .. هل أسأل أحد المارة ؟ .. لا مستحيل .. أيكون معي ساعة ذهبية وأسأل واحداً من هؤلاء البؤساء ؟ .. الملل يقتلني .. قبل السفر كانت الأعمال أكثر من الأوقات ، وكان أصدقائي الذين تخرجوا قبلي يتحدثون عن كثرة الأوقات وانعدام الأعمال .. ليتني قابلت أحدهم الآن ليعلمني كيف أحرك عقارب الساعة للأمام . )
على كبري الروضة رأى كفيفاً يسير بمفرده ليس معه إلا عصاه مع كل خطوة يضرب سور الكبري بالعصا في إحدى المرات أصابت العصا شابا وهو يحلم هيمان مع حبيبته فولى هاربا مذعورا دون أن يلتفت ليرى صاحب العصا ، أما الفتاة فقد تجمدت في مكانها .. أخذ يتأمل الأعمى واثق الخطى حتى اصطدم بأحد المارة يجري وراء الأتوبيس ، كادت نظارته الذهبية الثمينة تكسر .
قارَب الطريق على الانتهاء ومازال الليل في أوله ( يبدو أن السير البطيء يبطئ بالوقت لأجرب وسيلة مواصلات سريعة .. أركب " تاكسي " لا بل " أتوبيس " )
وقف على محطة الأتوبيس ، جاء الأتوبيس مزدحما
( لا .. لا .. هذا مزدحم جدا .. وهذا أيضا .. )
بدأ يقلق أكثر .
( لابد أن أركب أول أتوبيس قادم مهما كان مزدحما )
جاء الأتوبيس انطلق نحوه بنشاط وعندما تلاحمت الأجساد وبدأ الصراع تكاسل وتراجع .
( ركوب الأتوبيس أصبح مستحيلا ، لابد أن أشتري سيارة .. السيارة أصبحت ضرورة الآن .. الأتوبيس شيء مستحيل ، المشي أرحم .. أجمل شيء في الكويت أنها غير مزدحمة .. المركبات العامة لا تجد من يركبها )
يئس من النظر إلى وجوه المارة بحثا عن صديق قديم أو أحد يعرفه ، عاد إلى البيت يجر قدميه ، السلم مظلم ؛ تعثر به أكثر من مرة ؛ كاد يسب البيت ومن يسكن فيه .
- أخرجي لي" بيجامة " من الحقائب .
- في أي حقيبة هي ؟
- نسيت
- ملابسك القديمة كما هي ، هل أحضر لك " بيجامتك " القديمة ؟
- .....
- هذه هي .. نظيفة مثل الفل .
خلع ملابسه وألقى بها حاول أن يرتدي " بيجامته " القديمة فلم يستطع ؛ فقد ضاقت عليه ، لبس " البنطلون " أما " الجاكت " فلم يستطع ارتداءه .
في عصبية شديدة أخذ يفتش عن " بيجامته " الحرير في الحقائب : بدل .. قمصان .. " بلوفرات " .. أجهزة كهربية .. كاميرا .. أخيرا وجد "البيجامة" ، ارتدى " الجاكت " فقط ، استلقى على السرير القديم فأحدثا صريرا شديدا وكاد يسقط به ، حدق في طلاء السقف المتساقط .
( هذه سيارة .. لا .. بل أتوبيس مزدحم .. وجه فتاة جميل أو مضرب تنس .. لا وجه فتاة متصل بعنق طويل بعض الشيء )
- لماذا لم تخلع البنطلون القديم ؟!
ما زالت عيناه معلقتان بالسقف
- البياض تساقط البركة فيك .
- .............
- نسيت أن أسألك هل أتيت في إجازة أم أن عقد عملك قد انتهى
- ..............
( وجه ضاحك لا بل حزين ، نعم حزين .. عيون يسقط منها أشياء تشبه الدنانير ..لا .. لا .. إنه ليس وجهاً على الإطلاق إنه ترس يقطر منه زيت .. )





***


عدل سابقا من قبل admin1 في الأربعاء أبريل 25, 2012 1:26 pm عدل 4 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
muslima

avatar

المساهمات : 6
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 23

مُساهمةموضوع: رد: قصة " السفر" من المجموعة القصصية "ليت قومي يعلمون" للكاتب محمد يونس هاشم   السبت يناير 30, 2010 12:00 pm

كل بني ادم لما بيبص على منظر حلو بيتمنى يعيش هناك بعيد و بعيد و بعيد

كانت ايمان فاروق كاتبة زجل بتقول فيه
نفسي اغمض عين و افتح و القى نفسي فاي مطرح داخلة فيه الشمس تمرح و القمر نازل يصبح عالشوارع و الحارات
بين كفوفه سلطانية يملهالي فول مقشر لو يلاقي الفجر كشر يزغدة فكتفه اليمين

lol!
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
قصة " السفر" من المجموعة القصصية "ليت قومي يعلمون" للكاتب محمد يونس هاشم
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
أولى الألباب :: الاداب والشعر-
انتقل الى: