أولى الألباب
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 قصة " الحرف التاسع والعشرون " من المجموعة القصصية " الحرف التاسع والعشرون " للكاتب محمد يونس هاشم

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
admin1

avatar

المساهمات : 88
تاريخ التسجيل : 12/12/2009

مُساهمةموضوع: قصة " الحرف التاسع والعشرون " من المجموعة القصصية " الحرف التاسع والعشرون " للكاتب محمد يونس هاشم   الأربعاء يناير 27, 2010 2:10 pm

الحرف التاسع والعشرون
الليل طويل ، والظلام كئيب ، والبرد بليد ، حتى البندقية باردة .
وحيد يقف هو وسلاحه الميت ، يراقب القِطاع ، يخشى الرقيب أكثر من العدو !!
( الوقت لا يمر .. الظلام لا يمر .. البرد لا يمر .. وطعم القهر مر )
ملابسه الثقيلة لا تدفئ جسده النحيل .
" المذياع في الخدمة ممنوع ، التدخين ممنوع ، الغناء .... الكلام ممنوع . "
(الحمد لله أنهم لا يعلمون الغيب وإلا كانوا قد منعوا الخيال ! .. الخيال إذن شيء مباح ، شيء في الكبت مريح)
رفع سليمان وجهه إلى السماء ؛ يحدق في النجوم المخنوقة ، ويبحث عن القمر الغائب .
عاد بالزمان القهقرى .
( بيتنا الصغير الدافئ .. أمي كانت تشرف على غطائنا في الشتاء .. تقلق في الليل أكثر من المنام ؛ لتتأكد من أن النوم في أحضاننا ينام .. من أجلى كانت تترك المصباح مضاء ؛ لأنها تعلم أني أخاف الظلام . رغم أن أمي كانت تحبني كل الحب إلا أنها يوم الترحيل لم تبك !! كنت خائفاً من أن أسجن في الصحراء ، من أن تسفك دمائي هباء .. كنت خائفاً من دموع أمي عند الوداع ، وفوجئت بأنها تقبلني بسعادة كما قبلتني يوم النجاح ، وغنت لي أغنية ما زلت أذكر معانيها .." نذرتك لهذا اليوم يا ولدي ؛ لتحميني وتنصر بلدي " .
أمي سيدة أمية تربت في صعيد مصر ، كيف لم تحزن لفراقي ؟! وهي التي كانت تبكي لو تأخرت عن ميعاد عودتي ساعة واحدة !
أمي كم أشتاق لرؤيتك !... وكم أشتاق لرؤية بسمة ! بسمة .. بسمة .. أُحس الآن أن بينهما تشابهاً كبيراً .. كيف لم أحس بهذا التشابه من قبل . أمي .. بسمة .. تشابه عجيب ليس في الشكل إنما في أشياء أهم ، العجيب أني ما أحسست بمقدار حب بسمة لي إلا يوم أن رأتني بالزى العسكري .. لم أر وجهها صبوحاً باسماً بلا حزن إلا في هذا اليوم .
منذ عرفتها وحزن عميق يغلفها يخنق ضحكاتها ، يميز وجهها الجميل ، يستقر في عينيها الصافيتين .. بسمة حبيبتي الحزينة .
كانت أول معرفتي بها مناقشة حادة حول كلمة بل حول حرف .. حرف ليس من الحرو.... لم يكن يحس بوجودها أحد ، تجلس في ركن معزول لا تكلم أحداً ، وفي هذا اليوم وفي محاضرة الشعر، وبينما كنت أحلل قصيدة لشاعر معاصر فوجئت بموجة عالية تعترض المركب المنساب ؛ اضطربت فلم أكن أتوقع أن تتكلم ، ولم أتوقع أن تواجهني هذه المواجهة الحادة ، حاولت أن أتماسك حتى لا تهتز صورتي ؛ تجادلنا طويلاً ، ولأول مرة أسمع هذا الرأي الجديد .. رفعت صوتي ، لوحت بيدي ، تهكمت .. استهزأت ، وفي النهاية كدت أنكشف .. أتعرى أمام الجميع لولا أن المحاضرة انتهت وفض الأستاذ النقاش .
لم أستطع أن أنظر في وجوه زملائي .. تركت المحاضرات ، وهربت إلى البيت وأنا أكاد أتميز من الغيظ ، أدور في البيت كعصفور حبيس ، تطحن أنيابي الندم المرير .. كلامها جديد له سحر غريب .
قلبت في كل الكتب ، وبحثت في شتى المعارف ؛ أبحث عن حجج أدعم بها رأيي ، حجج أستر بها نفسي ؛ لأواجهها بها غداً؛ لأثأر لكرامتي .
نعم حرف " لا " ليس من حروف الهجائية العربية ، وأن الشاعر قد أخطأ عندما قال : " لا تصالح " جمعت كلاماً كثيراً كان معظمه من الصحف وكلام الساسة المعروفين ، لم أنم هذه الليلة .
وفي الصباح اغتسلت ، ولبست أجمل ملابسي ، وتطيبت ، ورتبت أوراقي .. في الطريق كنت أحمس نفسي ، أتذكر مناقشاتي السابقة ، وقدرتي على الإقناع والجدل ، أتذكر إعجاب زملائي وزميلاتي بحلو كلامي ، وحسن منطقي .
عندما رأيتها ارتجف قلبي ، وخفت المواجهة لكن طمأنت نفسي بأني سأحدثها على انفراد ، وسأحاول إقناعها بوسائل أخرى إذا عزت الحجة ، اقتربت منها ، وألقيت عليها تحية الصباح بابتسامة رقيقة ، ردتها دون ابتسام ، وفي رقة مفرطة ، وابتسامة دائمة حاولت أن أناقشها .
ومع الأيام وجدتني دائم التفكير فيها وأكره المناقشة التي تبعدها عني ، ورغم تحفظها في الكلام إلا أني أحسست أنها .... ويوم تعرفت على بطاقتها الشخصية عرفت سر حزنها ، وسر كلامها، فقد كانت بسمة فلسطينية .
عندما اكتشفت نفسي ، واكتشفت ما حولي وجدت أن أواصر قوية تشدني إليها ، أحسست أنّا كنّا في رحمين شقيقين وافترقنا ، وتغربنا ، وأخيراً التقينا . الرحم الطاهر الذي أنجبها لوثه ماء قذر ، والرحم الكبير الذي أنجبني أرهقته كثرة الإنجاب .
مع بسمة عشت أحلى أيامي ، كتبت أحلى أشعاري جمعتنا الغربة، ووحدتنا الآلام .
أجلت الزواج ربما لأنها تشك في حماسي لقضية الحرف المهضوم ، وإعجابي القديم بغصن الزيتون .)
بدأ الفجر يزحف نحو الحياة ، وبدأت الأشياء تتضح رغم الضباب الكثيف . رأى خلف الحدود فَمَاً كبيراً يأكل في نهم شديد لم يتبين من صنوف الطعام إلا الزيتون ، أكل الزيتون كله ، ونصف التفاح ، وتجرع شيئاً أحمر في نشوة ، وأخذ يداعب صديقته بابتذال . كانا يضحكان ، وعندما رأياه اشمأزا منه ، وتمتم النهم بكلمات ، ولفظ في وجهه ما كان في فمه من فتات ، كان من بينها حبة زيتون عارية مغتصبة مطحونة ، وبقايا تفاح دب فيه العطن . أما صديقته فقد ارتمت في حضنه بلا حياء .
تملكه إحساس بالهوان وهمّ أن ينزل سقاطة الأمان ، ويرجع أجزاء البندقية ، ويصوب على الفم الكبير ، على الخنزير ، على الحقد السافر ، على الحصون المنيعة ، رصاصات سريعة .
( سيقولون مجنون أطلق النار على الأصدقاء ، وانتحر في الزنزانة الخواء )
عندما رأى الرقيب أنور تحول إلى قطعة ثلج .
- الساعة السادسة ، انتهت خدمتك .
أخذ منه السلاح ، وبدأ يعد خزينة البندقية 1... 5... 8 ... 14 ... 21 ... 25، 26، 27 ، 28 .
- العدد مضبوط .
تذكر الحرف المهضوم ، والرصاصة الحائرة بين الدفاع والهجوم.

***
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
قصة " الحرف التاسع والعشرون " من المجموعة القصصية " الحرف التاسع والعشرون " للكاتب محمد يونس هاشم
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
أولى الألباب :: الاداب والشعر-
انتقل الى: